القاضي التنوخي

113

الفرج بعد الشدة

الحمير ، ويختارونها بيضاء ، عالية ، ويسمّونها : الحساويّة ، لأنّها تجلب من الأحساء ، وكانوا يتأنّقون في اختيار الجلّ ، ويسمّونه : المعرقة ( تلفظ القاف كافا فارسية ) . وقد وصف حمير بغداد البيض ، سائح أمريكي اسمه بيري فوك ، مرّ ببغداد في السنة 1872 ، في عهد الوالي محمد رديف باشا ، الذي خلف مدحت باشا ، فقال : إنّ الحمير البيض في بغداد مشهورة في أنحاء الشرق ، وأثمانها عالية ، وقسم منها كبير الحجم ، وتزيّن بصبغها بالحنّاء ، فتبدو آذانها وأذنابها حمراء اللون ، وأبدانها منقّطة بالحنّاء ، وهي ما زالت - كما كانت في قديم الزمان - مركب رجال الدين وكبار الحكّام ، كما أنّ السيدات يفضّلنها على بقيّة الدواب ، وهم يشرحون منخر الحمار ، ويشقّونه شقّا مستطيلا ، ويقولون إنّ هذا الشقّ يجعل الحمار أطول نفسا ، ولكنّي كلّما سمعت حمارا ينهق ، أيقنت أنّه لا ضرورة لهذا التصرّف ، ولا محلّ له ( كتاب عربستان أو بلاد ألف ليلة وليلة ) . والبغداديون يسمّون الحمار : زمال ، من الزمل ( بكسر الزاي وميم ساكنة ) أي الحمل ، ويقال : زمل ( بفتح ) ، أي حمل ، والزاملة ، مؤنث الزامل : الدابّة من الإبل وغيرها يحمل عليها ( المنجد ) ، قالت السيدة أسماء بنت أبي بكر : كانت زمالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وزمالة أبي بكر ، واحدة ، أي مركوبهما ( لسان العرب ) ، راجع ما كتبه الدكتور سليم النعيمي في مجلّة المجمع العلمي العراقي م 25 ص 25 و 26 . وكانت « زمالة الزهاوي » الشاعر جميل صدقي الزهاوي ( ت 1936 ) مضرب المثل في جمال الهيئة والنظافة ، وكانت بيضاء ، عالية الظهر ، حساوية ، وكان الزهاوي يعنى عناية فائقة ، بعلفها ، ونظافتها ، وكان - رحمه اللّه - مصابا بارتخاء في عضلات ساقيه لا يمكّنه من المشي إلّا بمعونة ، فكان يركبها في روحاته وغدواته . وللبغداديين أمثال تتعلّق بالحمار ، أذكر منها ثلاثة : أوّلها : مثل يضرب لمن يكدّ ليله ونهاره ، من دون راحة ، فيقولون : مثل زمال الطمّة ، يروح محمّلا ، ويعود محمّلا ، والطمّة : فصيحة ، ما طمّ من الجمر في الرماد ، ويطلق البغداديّون هذه الكلمة على موقد الحمّام ، وكان يوقد فيه النفايات والقمامة ، وكلّ ما يحترق ، فكان « زمال الطمّة » يروح إليها حاملا الوقود ، ويعود منها حاملا الرماد المتخلّف . وثانيها : مثل يضرب لمن ورّط نفسه في ورطة يصعب التخلّص منها ، فيقولون : تعال طلّع هذا الزمال من هذي الوحلة .